الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

424

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولك أن تجعل الواو للحال فتكون الجملة حالا من الضمير في قوله : حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 1 ] . والمعنى والحال أن البينة قد أتتهم إذ جاء الإسلام بما صدّق قول اللّه تعالى لموسى عليه السلام : « أقيم لهم نبيئا من وسط أخواتهم وأجعل كلامي في فمه » ، وقول عيسى عليه السلام : « فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم » . والتعبير بالفعل المسند للمجهول مفيد معنيين ، أي ما أمروا في كتابهم إلا بما جاء به الإسلام . فالمعنى : وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا أن يعبدوا اللّه مخلصين إلى آخره . فإن التوراة أكدت على اليهود تجنب عبادة الأصنام ، وأمرت بالصلاة ، وأمرت بالزكاة أمرا مؤكدا مكررا . وتلك هي أصول دين الإسلام قبل أن يفرض صوم رمضان والحج ، والإنجيل لم يخالف التوراة أو المعنى وما أمروا في الإسلام إلا بمثل ما أمرهم به كتابهم ، فلا معذرة لهم في الإعراض عن الإسلام على كلا التقديرين . ونائب فاعل أُمِرُوا محذوف للعموم ، أي ما أمروا بشيء إلا بأن يعبدوا اللّه . واللام في قوله : لِيَعْبُدُوا اللَّهَ هي اللام التي تكثر زيادتها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر وتقدم ذكرها عند قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ في سورة النساء [ 26 ] وقوله : وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ في سورة الأنعام [ 71 ] ، وسماها بعض النحاة لام ( أن ) . والإخلاص : التصفية والإنقاء ، أي غير مشاركين في عبادته معه غيره . والدين : الطاعة قال تعالى : قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي [ الزمر : 14 ] . وحنفاء : جمع حنيف ، وهو لقب للذي يؤمن باللّه وحده دون شريك قال تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 161 ] . وهذا الوصف تأكيد لمعنى : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ مع التذكير بأن ذلك هو دين إبراهيم عليه السلام الذي ملئت التوراة بتمجيده واتباع هداه . وإقامة الصلاة من أصول شريعة التوراة كلّ صباح ومساء . وإيتاء الزكاة : مفروض في التوراة فرضا مؤكدا . واسم الإشارة في قوله : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ متوجّه إلى ما بعد حرف الاستثناء فإنه مقترن باللام المسماة ( لام أن ) المصدرية فهو في تأويل مفرد ، أي إلا بعبادة اللّه وإقامة